عبد الملك الجويني

94

نهاية المطلب في دراية المذهب

وقد نجز الغرضُ من هذا القول في ربا الفضل ، وشَذّ عما ذكرناه فروع قريبةٌ نرسمُها ، وبنجازها ينتجز هذا الركن . فرع : 2974 - ذكرنا أن بيع ما لا يكال ولا يوزن من المطعومات ، بعضُه ببعض - باطلٌ على القَولِ الجديدِ ، كالخيارِ والبطيخ ونحوهما ، فلو بيع القثاء بالقثاء وزناً ، فالأصح المنعُ . ومن أصحابنا من جوَّز ، كما نبهنا عليه فيما تقدم . وهو بعيد . واتفقت الطرق على منع بيع البيض بالبيض والجوز بالجوز وزناً بوزن ؛ من جهة أن المقصود منها في أجوافها ، وقشُورُها تتفاوت تفاوتاً ظاهراً ، وهذا لا يتحقق في القثاءِ وما في معناه ، وذكر صاحب التقريب في البيض والجوز إذا بيع البعض منها بالبعض وزناً وجهين ، وهذا بعيد . فرع : 2975 - إذا قُلنا : الماءُ يجري فيه الربا ، وهو المذهب ، فلو باع رجلٌ داراً فيها بئر ماء بمثلها ، وقلنا : الماءُ يجري فيه الربا - قالوا : في هذه الصورة وجهان : أحدُهما - الجواز ، وهو الظاهر ؛ فإن الماء الكائنَ في البئر ليس مقصوداً ، ولا يرتبط به قصد . والثاني المنعُ ، وهو القياسُ ، ولا ينقدح للوجه الأول وجهٌ في القياس ، لكن عليه العمل ، ومعتمدُه سقوط القصد إلى الماء الحاصل ، وقد ذكرنا في فصلِ الخلولِ أن من باع خلَّ التمر بخل الزبيب ، والتفريعُ على اختلاف أجناس الخلول ، فالقَولُ في منع البيع يؤول إلى الماء الذي في الخلَّين ، وهو مال ربا . فلو قال قائل : الماء ليس مقصوداً في الخلّ ، كما أنه ليس مقصوداً في مسألة الدار ، قلنا : قَدْرُ الماء مستعملٌ على صفة الخَلِّ حتى كأنه انقلبَ خلاً ، فلم يخرج مقدار الماءِ عن كونه مقصوداً ، وإن كان لا يقصد ماءً ، وهذا لا يتحقق في البئر ومائِها . وقد نجز منتهى المراد في ذلكَ . وقد كُنَّا ذكرنا في أول الباب أن حديث عُبادةَ في أصل الربا مشتمل على ربا الفضل ، والتعرضِ للتقابض ، والنَّساءِ . نعني ما يتعلق من حُكمهِ بالربا . وبَيّنا أن أصلَ الباب ربا الفضل ، والتقابضُ وتحريمُ النَّساء متفرعان عليه . ونحن الآن نعقد المذهب فيهما .